السيد محمد الصدر

454

تاريخ الغيبة الصغرى

لعدة عوامل أهمها المصالح الشخصية والضغط القبلي ، مما أوجد نسبة عليا من المعارضين لخط الأنبياء في المجتمع . إلّا ان المستوى المطلوب في التخطيط كان شاملا لهم جميعا . - 8 - كان أول من باشر تبليغ الأوامر والنواهي الحدّية - على ما نعلم - ، لكن بشكل محدود ، وأعطى فكرة عن الثواب والعقاب على الأعمال ، هو النبي نوح عليه السلام ، كما سمعنا ، وان كان أغلب ما وعد به من الثواب هو ثواب دنيوي ، كما هو غير خفي لمن راجع كلامه المنقول في القرآن الكريم . ومن هنا يكون من المستطاع القول إن المرحلة الأولى للنبوات انتهت قبل الطوفان ، وقد افتتح النبي نوح عليه السلام ، المرحلة الثانية قبل الطوفان أيضا . حتى ما إذا ووجه بالتكذيب والمعارضة ، كان العقاب الدنيوي العاجل متمثلا بالطوفان . ومن الواضح ان الاقتصار على بيان الثواب الدنيوي والتهديد بالعقاب الدنيوي ، وعدم التعرض إلى الآخرة إلّا بشيء قليل ، يرجع إلى عدم قابلية الفكر البشري في ذلك العصر على استيعاب فكرة الآخرة والمعاد . وكان الطوفان هو الضربة القوية التي يبقى صداها خلال عدد كبير من الأجيال ، يرن في آذان من تسول له نفسه الكفر والظلم ، وبالتالي التمرد على التكامل وأهدافه . ومن هنا نعرف أثره الضخم في التخطيط والتربية البشرية . ان عالمية النبوة لم تكن معلنة بطبيعة الحال ، ولكنها كانت مطبقة . فنوح عليه السلام نبي عالمي من الناحية العملية ، بالرغم من توسع البشرية وتباعد مجتمعاتها ، استطاع نوح ان يبلغ بصوته ودعوته إلى أكبر عدد ممكن من البشر ، إما بواسطة وكلاء مؤمنين كانوا له ، وإما مباشرة ، خلال عمره الطويل . والمظنون ان شريعة نوح بقيت هي الأساس الرئيسي التي ينطلق منها الأنبياء في دعواتهم خلال الأجيال اللاحقة ، إلى بدء دعوة النبي موسى بن عمران عليه السلام ، وكان أشهر من وقع خلال هذه الفترة هو النبي إبراهيم الخليل عليه السلام . ولم تعرف عنه شريعة رئيسية جديدة « 1 » ، وإنما كانت دعوته مركزة حول

--> ( 1 ) بالرغم من أن الأدلة التي ذكرناها على وجود شريعة للنبي نوح ( ع ) شاملة لإبراهيم ( ع ) ، إلا أنه توجد استبعادات إضافية على ذلك ، أهمها عدم نقل القرآن شيئا من شريعته بالرغم من اهتمامه بنقل التفاصيل عنه ، وكذلك التوراة بشكلها المتداول . وهذا لا ينافي وجود التعاليم الشخصية أو البسيطة التي لا تشكل شريعة كاملة ، ولا تسم اتجاهه العام بميسمها .